الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
503
تفسير روح البيان
ان العاقل ينبغي ان لا يكون معظم همه مقصورا على الدنيا فان عاقبة ذلك وبال وحسرة سَوْفَ تَعْلَمُونَ اى سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول المحشر فالعلم بمعنى المعرفة ولذا قدر له مفعول واحد وهو إنذار وتخويف ليخافوا وينتبهوا من غفلتهم قال الحسن رحمه اللّه لا يغرنك كثرة من ترى حولك فإنك تموت وحدك وتبعث وحدك وتحاسب وحدك ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ تأكيد لتكيرير الردع والانذار وفي ثم دلالة على أن الانذار الثاني أبلغ من الأول لان فيه تأكيدا خلا عنه الأول لان فيه تنزيلا لبعد المرتبة منزلة بعد الزمان واستعمالا للفظ ثم في مجرد التدرج في درج الارتقاء كما تقول للمنصوح أقول لك ثم أقول لك لا نفعل أو الأول عند الموت في وقت ما بشر به المحتضر من جنة أو نارا وفي القبر حين سؤال منكر ونكير من ربك وما دينك ومن نبيك والثاني عند النشور حين ينادى المنادى شقى فلان شقاوة لا سعادة بعدها وحين يقال وامتازوا اليوم أيها المجرمون فعلى هذا لا تكرير في الآية لحصول التغاير بينهما بتغاير زماني العلمين ومتعلقيهما فإنه يلقى في كل واحد من الزمانين نوعا آخر من العذاب وثم على بابها من المهلة لتباعد ما بين الموت والنشور وكذا ما بين القبور والنشور وعن علي رضى اللّه عنه مازلنانشك في عذاب القبر حتى نزلت السورة إلى قوله تعالى ثم كلا سوف تعلمون اى سوف تعلمون في القبر ثم في القيامة وفي الحديث يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا تنهشه وتلذعه حتى تقوم الساعة لوان تنينا منها نفخ في الأرض ما أنبتت خضراء كَلَّا تكرير للتنبيه تأكيدا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ جواب لو محذوف للتهويل فإنه إذا حذف الجواب يذهب الوهم كل مذهب ممكن والعلم مصدر أضيف إلى مفعوله وانتصابه بنزع الخافض واليقين صفة لموصوف محذوف والمعنى لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين اى لو علمتم ما تستيقنونه لفعاتم مالا يوصف ولا يكبتنه ولكنكم ضلال جهلة فاليقين بمعنى المتيقن به كمال التيقن حتى كأنه عين اليقين والا فيلزم إضافة أحد المترادفين إلى الآخر إذ العلم في اللغة بمعنى اليقين وقد يجعل العلم من إضافة العام إلى الخاص بناء على أن اليقين أخص من العلم فان العلم قديعم الظن واليقين فتكون إضافته كإضافة بلد بغداد ويدل عليه قولهم العلم اليقين بالوصف لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ جواب قسم مضمرا كدبه الوعيد حيث إن ما أوعدوا به مما لا مدخل فيه للريب وشدد به التهديد وأوضح به ما انذروه بعد إبهامه تفخيما ولا يجوز ان يكون جواب لو لان رؤية الجحيم محققة الوقوع وليست بمعلقة فلو جعل جواب لو لكان المعنى انكم لا ترونها لكونكم جهالا وهو غير صحيح وقال بعضهم يصح ان يكون جوابا فيكون المعنى سوف تعلمون الجزاء ثم قال لو تعلمون الجزاء علم اليقين الآن لترون الجحيم يعنى يكون الجحيم دائما في نظركم لا يغيب عنكم أصلا ثُمَّ لَتَرَوُنَّها تكرير للتأكيد أو الأولى إذا رأوها من مكان بعيد ببعض خواصها وأحوالها مثل رؤية لهبها ودخانها والثانية إذا أوردوها فان معاينة نفس الحفرة وما فيها من الحيوانات المؤذية وكيفية السقوط فيها اجلى واكشف من الرؤية الأولى فعلى هذا بتنازع الفعلان في عين اليقين أو المراد بالأول المعرفة وبالثانية